مقالة
التعليم هو الطريقة التي تصير فيها مهندساً
الجامعة تعطيك الأساسيات وتتركك عند الباب. الطريق من طالب إلى مهندس حقيقي ما حدا بيمشيه عنك — بس في طريقة تخلّيك تمشيه أسرع، وهي غريبة: أن تعلّم قبل ما تكون جاهزاً.
عبدالرحمن أبو كرش — مهندس برمجيات، الأردن٦ دقائق
تخرّجت من هندسة البرمجيات وأنا أعرف كتابة الكود، وما أعرف كيف أبني شيئاً حقيقياً. هاي مش شكوى من الجامعة — الجامعة عملت شغلها: أعطتني الأساسيات، الخوارزميات، قواعد البيانات، طريقة التفكير المنطقي. المشكلة إنه في مسافة بين هذا وبين إنك تستلم مشروع من شخص حقيقي، بمتطلبات متغيّرة وميزانية ووقت، وتسلّمه شغّال.
المسافة هاي ما حدا بيحكي عنها. وأول مرة وقفت فيها، ما كنت أعرف حتى من وين أبدأ. أي لغة؟ أي إطار عمل؟ كيف أعرف إذا كان الكود اللي كتبته مقبول أو كارثة؟ كنت أفتح عشر مقالات وأخرج منها بحيرة أكبر من اللي دخلت فيها.
وقتها اكتشفت إني مش لحالي. كل واحد من زملائي كان واقف بنفس المكان، وكل واحد فينا كان مقتنع إنه هو الوحيد اللي ضايع.
بدأت أشرح قبل ما أفهم
أول مرة شرحت شيئاً لزميل، ما كان لأني كنت أعرف. كان لأني كنت أحاول أرتّب الفوضى اللي براسي. حكيت له الموضوع بصوت عالي، ووصلت لنقطة وقفت فيها. ما قدرت أكمّل الجملة.
الفجوة اللي ما بتشوفها وأنت تقرأ، بتصير واضحة في اللحظة اللي بتحاول تشرحها فيها لحدا ثاني.
رجعت قرأت. مش لأني بدي أنجح بامتحان، ولا لأني بدي أضيف سطر على السيرة الذاتية. رجعت لأنه في إنسان قاعد قدامي مستني الجملة تكمل. وهاد نوع مختلف تماماً من الدافع.
بعدها صار عندي عادة: كل شي أتعلمه، أشرحه لحدا. وكل مرة كنت أكتشف إني كنت فاهم نص الموضوع وأنا حاسب حالي فاهمه كامل.
لماذا الشرح يكشفك
لما تقرأ، دماغك بيتعرّف على الفكرة وبيقول لك «آه، واضحة». هاد إحساس مزيّف. التعرّف مش فهم. إنك تشوف حل صحيح وتقول «منطقي» شيء، وإنك تنتج نفس الحل من الصفر وأنت واقف قدام مشكلة جديدة شيء ثاني تماماً.
الشرح بيجبرك تنتج. لازم ترتّب الفكرة بترتيب معيّن، وتقرر شو الأهم وشو التفصيل، وتتوقّع السؤال اللي رح يسأله. والأسئلة هي الجزء القاسي — لأنه الطالب بيسأل من مكان ما بتتوقعه، وأول سؤال «طيب ليش؟» بيوقّعك إذا كان فهمك سطحي.
ما بتعلّم لأنك صرت كويس. بتصير كويس لأنك علّمت.
هاي مش مقولة لطيفة، هاي آلية. الشرح بيحوّل المعرفة من شيء بتتعرف عليه لشيء بتقدر تستخدمه — وهاد بالضبط الفرق بين طالب ومهندس.
الحلقة: طالب ← مهندس ← معلّم
معظم الناس بيختاروا واحد. في ناس بتضل طالب — كورس بعد كورس، وما بتبني إشي. وفي ناس بتصير مهندس وبس — بتشتغل عشر سنين وبتتعلم بس اللي الشغل بيفرضه عليها. وفي ناس بتصير معلّم مبكّر جداً — بتشرح أشياء ما بنتها بحياتها.
الثلاثة لحالهم ناقصين. بس لما تشتغل مع بعض، كل واحدة منهم بتغذّي التانية.
الطالب فيك بيجيب أفكار جديدة. المهندس فيك بيختبرها على مشكلة حقيقية عند عميل حقيقي، فبتعرف أي فكرة بتصمد وأي وحدة كانت حلوة على الورق بس. والمعلّم فيك بيجبرك تصيغ اللي تعلّمته بشكل واضح كفاية إنه ينفهم — وهاي الخطوة اللي بتثبّت المعرفة مكانها.
أنا بشتغل على الثلاثة بنفس الوقت من سنة أولى جامعة. مش لأنه عندي خطة، بس لأني ما عرفت أوقف عن أي وحدة فيهم. وطلعت هاي أفضل قرار أخذته، وأنا ما أخذته أصلاً.
شو بيعني هذا لك
إذا كنت واقف بنفس المكان اللي كنت واقف فيه — خلصت الجامعة أو قرّبت، وحاسس إنك ما بتعرف تبني شي حقيقي — ما تستنى تصير جاهز. مش رح تصير.
علّم اللي وراك بخطوة وحدة. مش عشرة، وحدة. اللي تعلّمته الأسبوع اللي فات، اشرحه لحدا هالأسبوع. رح تكتشف نص فهمك ناقص، وهاد بالضبط المطلوب.
وابنِ لناس حقيقيين. المشروع اللي بتبنيه لحالك بتقدر تتحايل عليه؛ المشروع اللي في حدا مستنيه ما بتقدر. الفرق بين الاثنين هو نفسه الفرق بين طالب ومهندس.